صديق الحسيني القنوجي البخاري
399
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل إن اللّه سبحانه قد يطلع بعض عبيده على بعض غيبه كما في قوله فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] وقيل المعنى لا يعلمون أن اللّه غالب على أمره وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر وقيل ما هو صانع بيوسف وما يريد منه . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 22 إلى 23 ] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال سيبويه : الأشد جمع واحده شدة نحو نعمة وأنعم وقال الكسائي : واحده شد بزنة قفل وقال أبو عبيد : إنه جمع لا واحد له من لفظه عند العرب وخالفه الناس في ذلك وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه والأشد هو وقت استكمال القوة ثم يكون بعده النقصان قيل هو ثلاث وثلاثون سنة قاله ابن عباس وقيل ثماني عشرة سنة قاله سعيد بن جبير وقيل خمس وعشرون سنة قاله عكرمة وقيل أربعون سنة قاله الحسن وقيل ثلاثون سنة قاله السدي وقيل بلوغ الحلم وبه قال ربيعة والشعبي وقيل عشرون سنة قاله الضحاك وقيل غير ذلك مما قد قدمنا في النساء والأنعام . قال الراغب : وفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله ولم يقل هنا واستوى كما قال في شأن موسى في سورة القصص لأن موسى كان قد بلغ أربعين سنة وهي مدة النبوة فقد استوى وتهيأ لحمل أعباء الرسالة وأسرار النبوة وأما يوسف فلم يكن إذ ذاك بلغ هذا السن . آتَيْناهُ حُكْماً هو ما كان يقع منه من الأحكام في سلطان ملك مصر وَعِلْماً هو العلم بالحكم الذي كان يحكمه وقيل العقل والفهم والنبوة والفقه قاله مجاهد وقيل الحكم هو النبوة والعلم هو العلم بالدين وقيل علم الرؤيا ومن قال إنه أوتي النبوة صبيا قال المراد بهذا الحكم والعلم اللذين آتاهما اللّه هو الزيادة فيهما . وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء العجيب نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ فكل من أحسن في عمله أحسن اللّه جزاءه وجعل عاقبته الخير من جملة ما يجزيه به ، وهذا عام يدخل تحته جزاء يوسف على صبره الحسن دخولا أوليا . قال الطبري : هذا وإن كان مخرجه ظاهرا على كل محسن فالمراد به محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول اللّه كما فعل هذا بيوسف ثم أعطيته ما أعطيته كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة وأمكن لك في الأرض والأولى ما